أحمد الشرباصي
180
موسوعة اخلاق القرآن
ويقول في سورة القمر : « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ « 1 » كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ » . أي أعرض عن هؤلاء الكافرين الذين لا يفيد فيهم الإنذار ، فإن الداعي سيدعوهم يوم القيامة إلى شيء فظيع لم تعهد مثله النفوس ، وسيخرجون من قبورهم ذليلة أبصارهم خاشعة . ويقول في سورة النازعات : « قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ » . أي ان قلوب هؤلاء الكافرين ستكون شديدة الاضطراب من الوجيف ، وأبصارهم ستكون ذليلة من الخوف ، وأضاف الأبصار إلى ضمير القلوب في قوله : « أَبْصارُها » لأنه أراد من وجيف القلوب شدة الخوف الواقع بأصحابها ، فهي كناية عنهم . ويقول في سورة الغاشية : « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ، تَصْلى ناراً حامِيَةً » . أي هل جاءك خبر الداهية التي تغشى الناس ؟ سترى في يومها وجوه الكافرين ذليلة ، تتعب حين تجر سلاسلها ، وتخوض نارها ، فهي تستقر في نار متناهية الحر . ولنلاحظ أن أغلب استعمالات القرآن للخشوع الحسي الدال على الذل والهوان ، والخوف والحسرة ، قد نسبها إلى الكافرين والمجرمين والفاسقين . وهناك خشوع حسي مادي آخر تحدث عنه القرآن الكريم ، ليصوّر به عظمة اللّه وجلاله ، فيقول في سورة طه : « وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً » . أي انخفضت الأصوات لمهابة اللّه جل جلاله ، فلا تسمع إلا صوتا خفيا ، ويقول في سورة الحشر : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » . وإنما يكون هذا التشقق تمثيلا وتخييلا لجلال القرآن وعظمته . هذا ، ولقد قال سهل : « من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان » . وذلك
--> ( 1 ) الأجداث : جمع جدث ، وهي القبور .